الأستاذ الجامعي في القانون وممارسة المحاماة: قراءة في الفصل 15 من النظام الأساسي للوظيفة العمومية


 الأستاذ الجامعي في القانون وممارسة المحاماة:  قراءة في الفصل 15 من النظام الأساسي للوظيفة العمومية 

 المصطفى الغشام الشعيبي، أستاذ بكلية الحقوق بطنجة

 يظل مبدأ "التفرغ الوظيفي" أحد مرتكزات قانون الوظيفة العمومية خاصة عندما كرسه المشرع في الفصل 15 من النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية إذ يمنع على الموظف أن يزاول بصفة مهنية أي نشاط حر أو تابع للقطاع الخاص يدر عليه دخلاً كيفما كانت طبيعته، وتحت طائلة المتابعة التأديبية، غير أن القراءة العميقة للفصل 15 من النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية تفتح باباً واسعاً للنقاش حول استثناءات نوعية تفرضها طبيعة المهنة.

إن القراءة المعمقة لمقتضيات البند الأول من الفصل 15 من النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية وخاصة العبارة التي يستهل بها الفصل المذكور: " مع مراعاة الأحكام التشريعية المنافية الخاصة ببعض الهيئات"، يتضح أن المشرع يؤسس لخصوصية مهنية تتجاوز منطق المنع المطلق للموظف بمزاولة بعض المهن التي تعتبر ضرورية للوظيفة العمومية التي يمارسها، الأمر الذي يطرح تساؤلا مشروعا حول وضعية هيئة الأساتذة الجامعيين في القانون والحق في مزاولة مهنة المحاماة؟

بين الطب والقانون: ازدواجية في المعايير؟

بينما يمارس أساتذة كليات الطب مهامهم العلاجية في المستشفيات جنباً إلى جنب مع التدريس الجامعي دون أدنى اعتراض، بل وباعتباره ضرورة علمية، يجد أستاذ القانون نفسه محاصراً بقيود قانونية تمنعه من دخول ردهات المحاكم بصفته محامياً. هذا التباين يثير إشكالاً ليس فقط في "المساواة" بين الهيئات ذات الطابع التطبيقي، بل في فلسفة التكوين الأكاديمي ذاتها.

تاريخياً، وإلى حدود عام 1993، كان هذا الجمع أمراً اعتيادياً ومنسجماً مع روح التخصص. غير أن التحول التشريعي اللاحق أحدث قطيعة بين المعرفة النظرية والممارسة الميدانية، وهو قرار يرى الكثير من المتخصصين أنه افتقر لنقاش مؤسساتي يستحضر جودة التكوين الجامعي قبل استحضار الهواجس الإدارية.

إن الانفتاح على التجارب الدولية في هذا المجال، يجعلنا ندرك أن أغلب الأنظمة القانونية العريقة، كالنظامين الفرنسي والمصري، تكرس حق الأستاذ الجامعي في ممارسة المحاماة كقاعدة ثابتة لا كاستثناء.

ففي فرنسا، ينظر إلى أستاذ القانون الممارس كضمانة لجودة العدالة وعمق الفقه القضائي، حيث يُسمح لهم بالجمع بين التدريس وعضوية هيئات المحامين دون أدنى تعارض.

هذا التوجه المقارن ينبني على قناعة راسخة بأن "فقيه القانون" هو الأقدر على إغناء الاجتهاد القضائي، وأن حرمان المحاكم من خبرة الأكاديميين هو تعطيل لرافد أساسي من روافد تطوير العدالة وتجويد الأحكام.

الضرورة البيداغوجية: هل يكفي "النص" وحده؟

في ظل هذا الوضع غير السليم من حقنا أن نتساءل كيف يمكن لأستاذ مادة المسطرة المدنية، أو الجنائية، أو القانون المدني، أو القانون الجنائي ... أن ينقل لطلبته تعقيدات العمل القضائي وتقنيات الترافع وهو لا يعرف كيف تمارس عمليا داخل المحاكم؟ كيف لأستاذ مادة القانون الجنائي أن يشرح ويفسر ظروف التخفيف وظروف التشديد وحالة العود والعقوبات البديلة وهو لا يعرف كيفية تطبيقها، أو أنه لم يعايشها لحظة بلحظة أمام المحاكم؟ كيف له أن يجعل طلبته يحسون بحركية القاعدة القانونية بين العدالة والظلم وهو لم يعايش هذا الإحساس مطلقا؟ إن الاكتفاء بالشرح النظري يحول القانون إلى "نصوص جامدة" ومنفصلة عن الواقع، بينما المعرفة القانونية الحقيقية تُصنع وتتطور داخل قاعات المحاكم.

إن إعادة النظر في هذا الجمع لا ينبغي أن تفهم على اساس "الامتياز المادي" أو المهني، بل يجب مقاربتها كضرورة بيداغوجية ملحة، فالأستاذ الممارس لا يكتفي بنقل المعلومة، بل يعيد إنتاجها وتطويرها في ضوء الاجتهاد القضائي، مما يغني التكوين الأكاديمي ويمنح الطلبة زاداً معرفياً يجمع بين "فقه النص" و"واقع التطبيق".

القانون كـ "صنعة": ضرورة الممارسة قبل التنظير

إن القانون في جوهره ليس مجرد ترف فكري أو نصوص صماء، بل هو "صنعة" وحرفة تقتضي المراس والدراية الميدانية، ومن المنطقي أن الصناعة يجب أن يمارسها الممارس ويتقن أسرارها قبل أن يشرح كيفية ممارستها للآخرين، فبدون الاختبار التطبيقي العملي والميداني لهذه الحرفة، يظل الأستاذ الجامعي ناقلاً لتقنيات لم يختبرها، مما يُفقد العملية التعليمية عمقها المهني وقدرتها على تخريج ممارسين حقيقيين. فالمساطر والإجراءات ليست مجرد نظريات، بل هي ممارسات يومية تتطلب احتكاكاً مباشراً بردهات المحاكم لفهم تعقيدات الممارسة القضائية.

وحدة الأستاذية: التكامل بين المدرج والمحكمة

يجب النظر إلى مهنة الأستاذية في القانون ككيان واحد لا يقبل التجزئة، حيث يمثل الشق النظري (أستاذ بالكلية) والشق التطبيقي (أستاذ ممارس أمام المحاكم) وجهين لعملة واحدة. هذا الجمع هو الذي يحقق الصورة الكاملة للأستاذ الباحث والمحامي المتمكن؛ فهو حين يؤصل للمبادئ صباحاً في المدرج، ثم يختبر متانتها مساءً أمام القضاء، يحول المحكمة إلى مختبر علمي يُغني البحث الأكاديمي، ويجعل من الدرس الجامعي فضاءً حياً يتفاعل مع الواقع، بدلاً من الانغلاق في تجريد نظري منفصل عن بيئته الطبيعية.

نحو إرادة تشريعية منصفة

إن مقتضيات الفصل 15 من النظام العام للوظيفة العمومية يسمح للمشرع بتعديل مقتضيات المادتين 13 و 14 من مشروع القانون 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة تحقيقا لمبدأ التكامل بين الأستاذية والمحاماة، بما يضمن توازناً دقيقاً بين التزامات الوظيفة العمومية وخصوصية البحث العلمي القانوني وممارسة مهنة المحاماة.

إن المطلوب اليوم ليس مجرد تأويل قانوني مرن، بل إرادة تشريعية صريحة تؤمن بأن الأستاذ الجامعي في القانون هو "خبير" قبل أن يكون موظفاً. وتأهيله لممارسة المحاماة هو استثمار في جودة العدالة، وتخريج لأجيال من القانونيين القادرين على استيعاب النص وتطبيقه بكفاءة.

أحدث أقدم