في إطار جهوده العلمية والتكوينية الرامية إلى نشر ثقافة حقوق الإنسان وتعزيز مبادئ دولة القانون والمؤسسات، نظم المركز المتوسطي للدراسات القانونية والقضائية بمدينة طنجة، يوم الأربعاء 08 أبريل 2026، دورة تكوينية متميزة حول موضوع: "تفعيل المشاركة المواطنة كحق من حقوق الإنسان"، وذلك بقاعة الندوات محمد شكري بالمركز الثقافي بوكماخ، بحضور ثلة من الطلبة الباحثين، والفاعلين الجمعويين، والمهنيين، والمهتمين بقضايا الديمقراطية التشاركية والحكامة المحلية.
ويندرج تنظيم هذا النشاط ضمن مشروع تعزيز حقوق الإنسان وسيادة القانون، في إطار برنامج التربية على حقوق الإنسان، المنجز بشراكة مع الصندوق الوطني للديمقراطية، وهو ما يعكس انخراط المركز في مواكبة الأوراش الإصلاحية الكبرى التي يشهدها المغرب، لاسيما ما يرتبط بتوسيع فضاءات المشاركة المدنية وتقوية حضور المواطن في صناعة القرار العمومي.
وقد افتتحت أشغال هذه الدورة بكلمة توجيهية ألقاها الدكتور المصطفى الغشام الشعيبي، رئيس المركز المتوسطي للدراسات القانونية والقضائية، رحب من خلالها بالسادة الحضور والمشاركين، مؤكداً أن موضوع المشاركة المواطنة أصبح يشكل أحد المرتكزات الأساسية للديمقراطية الحديثة، بالنظر إلى ما يتيحه من إمكانيات فعلية لإشراك المواطنات والمواطنين في تدبير الشأن العام، والمساهمة في صياغة السياسات العمومية وتتبع تنفيذها وتقييم نتائجها.
كما أبرز رئيس المركز أن دستور المملكة المغربية لسنة 2011 أحدث تحولاً نوعياً في مجال تكريس الحقوق والحريات، عندما نص صراحة على الديمقراطية المواطنة والتشاركية، وفتح المجال أمام المجتمع المدني للمساهمة في إعداد القرارات العمومية، مضيفاً أن الرهان اليوم لم يعد متعلقاً فقط بوجود النصوص القانونية، وإنما بمدى القدرة على تفعيلها وتنزيلها في الواقع العملي عبر التكوين والتحسيس والمواكبة المؤسساتية.
إثر ذلك، انطلقت الجلسة العلمية التي أطرها فضيلة الدكتور عادل تميم، أستاذ القانون الإداري بكلية الحقوق بتطوان، حيث قدم عرضاً علمياً معمقاً تناول فيه مختلف الأبعاد القانونية والدستورية للمشاركة المواطنة باعتبارها حقاً من حقوق الإنسان وآلية أساسية من آليات الحكامة الجيدة.
واستهل الأستاذ المؤطر مداخلته بتأصيل مفهوم المشاركة المواطنة، موضحاً أنها لم تعد مجرد ممارسة اختيارية أو مساهمة رمزية، بل أصبحت حقاً دستورياً يرتبط بحقوق أساسية أخرى، من قبيل الحق في التعبير، والحق في الوصول إلى المعلومة، والحق في التنظيم، والحق في المساهمة في تدبير الشأن العام. كما أكد أن المقاربة الحديثة لحقوق الإنسان تعتبر المواطن شريكاً في صناعة القرار، لا مجرد متلقٍ للسياسات العمومية.
وتناول المحور الثاني من العرض الإطار الدستوري والتشريعي المنظم للمشاركة المواطنة بالمغرب، حيث استعرض المقتضيات الدستورية ذات الصلة، خاصة الفصول المتعلقة بتقديم العرائض إلى السلطات العمومية، والملتمسات في مجال التشريع، وكذا أدوار جمعيات المجتمع المدني في إطار الديمقراطية التشاركية. كما تطرق إلى القوانين التنظيمية المتعلقة بالجماعات الترابية، والتي نصت على إحداث هيئات استشارية للحوار والتشاور، باعتبارها آليات مؤسساتية لإشراك المواطنات والمواطنين في تدبير الشأن المحلي.
أما المحور الثالث، فقد خصصه الأستاذ المؤطر للحديث عن أهم آليات المشاركة المواطنة، مبرزاً على وجه الخصوص آلية العرائض باعتبارها وسيلة قانونية تمكن المواطنات والمواطنين من اقتراح مطالب أو إثارة قضايا ذات منفعة عامة أمام السلطات المختصة، وآلية الملتمسات التشريعية التي تتيح للمواطنين المساهمة في اقتراح نصوص قانونية أو تعديلها، إضافة إلى آليات التشاور العمومي من خلال اللقاءات المفتوحة، والمنتديات المحلية، والاستشارات الرقمية، والحوار مع الفاعلين المدنيين.
كما توقف الدكتور عادل تميم عند عدد من الإكراهات العملية التي تحد من فعالية المشاركة المواطنة، من بينها ضعف الوعي القانوني لدى بعض الفاعلين، وتعقيد المساطر أحياناً، ومحدودية التكوين المتخصص، وغياب التراكم في بعض التجارب المحلية، مشدداً على أن تجاوز هذه الصعوبات يقتضي الاستثمار في التكوين المستمر، وتبسيط المساطر، وتعزيز الثقة بين المؤسسات والمجتمع المدني.
وفي سياق متصل، قدم الأستاذ المؤطر مجموعة من التوجيهات العملية لفائدة الجمعيات والفاعلين المدنيين، همّت كيفية إعداد عريضة وفق الضوابط القانونية، وصياغة مذكرة ترافعية فعالة، واستثمار آليات الحوار المؤسساتي، مع التأكيد على أهمية اعتماد لغة قانونية دقيقة، وتشخيص واقعي للمشكلات، واقتراح حلول قابلة للتنفيذ.
وقد عرفت الدورة تفاعلاً كبيراً من طرف الحضور، حيث انصبت تدخلاتهم وأسئلتهم حول شروط قبول العرائض، ومدى إلزامية مخرجات التشاور العمومي، وحدود دور المجتمع المدني في مراقبة تنفيذ البرامج المحلية، وكذا سبل تفعيل المشاركة الرقمية في ظل التحول الرقمي الذي تعرفه الإدارة العمومية.
وفي ختام هذا اللقاء العلمي، ألقى الدكتور المصطفى الغشام الشعيبي، رئيس المركز، كلمة ختامية نوه فيها بالمستوى العلمي الرفيع للمداخلة وبالتفاعل الجاد للمشاركين، مؤكداً أن نجاح مثل هذه المبادرات يعكس الحاجة المتزايدة إلى فضاءات للتكوين والحوار العمومي المسؤول. كما جدد التزام المركز بمواصلة تنظيم أنشطة علمية وتكوينية نوعية تستجيب لانشغالات الشباب والباحثين والفاعلين المدنيين، وتواكب مسار ترسيخ الديمقراطية التشاركية وتعزيز ثقافة حقوق الإنسان.
واختتم النشاط في أجواء إيجابية طبعتها روح النقاش البناء وتبادل الخبرات، على أمل تنظيم محطات تكوينية أخرى تتناول قضايا الحكامة المحلية، وآليات الترافع المدني، والعدالة المجالية، ومختلف المستجدات القانونية ذات الصلة بالمشاركة المواطنة.










