في إطار تنزيل مقتضيات مشروع "تعزيز حقوق الإنسان وسيادة القانون" المنجز بشراكة مع الصندوق الوطني للديمقراطية (NED)، ومشروع "كفاءة للتكوين القانوني والتأهيل المهني" بشراكة مع جماعة طنجة، نظم المركز المتوسطي للدراسات القانونية والقضائية يوم الأربعاء 08 أبريل 2026، الدورة التكوينية الرابعة في التربية على حقوق الإنسان تحت عنوان: "التمكين السياسي للشباب وفعلية الحق في المشاركة"، وذلك بقاعة التكوين محمد شكري بالمركز الثقافي أحمد بوكماخ بمدينة طنجة، بحضور ثلة من الطلبة الباحثين والفاعلين المدنيين والمهتمين بالشأن الحقوقي والسياسي.
وقد افتتحت أشغال هذه الدورة بكلمة تأطيرية ألقاها الدكتور المصطفى الغشام الشعيبي، رئيس المركز المتوسطي للدراسات القانونية والقضائية، رحب فيها بالمشاركين، مؤكداً على راهنية موضوع الدورة المتعلق بالتمكين السياسي للشباب، باعتباره أحد المداخل الأساسية لترسيخ الديمقراطية التشاركية وتعزيز فعالية المشاركة المواطنة في تدبير الشأن العام. كما أبرز أن هذا اللقاء يندرج ضمن رؤية المركز الرامية إلى دعم التكوين الحقوقي والسياسي، وتوسيع فضاءات النقاش العلمي حول القضايا المرتبطة بحقوق الإنسان والحكامة الديمقراطية، في إطار شراكات مؤسساتية مهمة، خاصة مع الصندوق الوطني للديمقراطية (NED) وجماعة طنجة.
وعقب الكلمة الافتتاحية، أعطى رئيس المركز الكلمة للدكتور عبد الرفيع زعنون، الباحث في القانون الإداري والسياسات العمومية والباحث المشارك بالمعهد المغربي لتحليل السياسات، الذي قدم مداخلة تأطيرية علمية معمقة حول موضوع الدورة، اتسمت بالتحليل الدقيق والمقاربة المركبة لموضوع التمكين السياسي للشباب.
وقد استهل الأستاذ المؤطر مداخلته بتأصيل مفهومي دقيق لمصطلح التمكين السياسي للشباب، مبرزاً أنه لا يمكن اختزاله في مجرد إشراك شكلي أو رمزي، بل هو مسار متكامل يهدف إلى نقل الشباب من موقع المتلقي للقرار العمومي إلى موقع الفاعل والمساهم في صياغته وصناعته. كما أكد أن هذا المفهوم يرتبط عضوياً بمنظومة حقوق الإنسان، باعتباره امتداداً للحق في المشاركة السياسية، وركيزة من ركائز الديمقراطية الحديثة.
وانتقل المؤطر بعد ذلك إلى تحليل الإطار الدستوري والمؤسساتي المنظم للمشاركة السياسية للشباب، حيث توقف عند الدستور المغربي لسنة 2011 باعتباره محطة مفصلية في تكريس الديمقراطية التشاركية، من خلال تنصيصه على آليات العرائض والملتمسات التشريعية، وتوسيع فضاءات مشاركة المواطنات والمواطنين، وخاصة فئة الشباب، في تدبير الشأن العام. كما أبرز أن هذا التطور القانوني، رغم أهميته، يظل في حاجة إلى تفعيل فعلي على مستوى الممارسة المؤسساتية.
وفي محور آخر من مداخلته، تناول الأستاذ زعنون واقع المشاركة السياسية للشباب، مبرزاً وجود فجوة واضحة بين الإطار القانوني والممارسة العملية، حيث لا تزال نسب تمثيلية الشباب داخل الأحزاب السياسية والمؤسسات المنتخبة محدودة، نتيجة مجموعة من العوامل، من بينها ضعف آليات التأطير السياسي، واستمرار البنيات التنظيمية التقليدية، وضعف الثقة في العمل السياسي لدى فئة واسعة من الشباب.
كما تطرق المؤطر إلى مسألة الإكراهات البنيوية والثقافية التي تحد من المشاركة السياسية للشباب، موضحاً أن هذه الإكراهات لا ترتبط فقط بالإطار القانوني، بل تمتد إلى الثقافة السياسية السائدة، وإلى طبيعة العلاقات داخل التنظيمات الحزبية، التي لا تزال في بعض الحالات غير منفتحة بالشكل الكافي على الطاقات الشبابية، مما يحد من قدرتهم على الولوج إلى مواقع القرار.
وفي سياق مقاربته للحلول الممكنة، قدم الدكتور عبد الرفيع زعنون تصوراً شاملاً لمجموعة من آليات التمكين السياسي للشباب، انطلق فيه من ضرورة مراجعة الإطار القانوني المنظم للأحزاب السياسية، بما يضمن إدماجاً حقيقياً للشباب داخل الهياكل التقريرية، وليس فقط داخل الأذرع الموازية. كما دعا إلى ربط الدعم العمومي للأحزاب بمدى احترامها لمعايير التمثيلية الشبابية، باعتبار ذلك آلية تحفيزية لتعزيز الانفتاح الداخلي.
وأضاف المؤطر أن من بين الآليات الأساسية أيضاً تعزيز الديمقراطية التشاركية على المستوى المحلي، من خلال تفعيل آليات التشاور العمومي، وتقوية دور الهيئات الاستشارية المحلية، وإشراك الشباب في إعداد وتتبع وتقييم السياسات العمومية الترابية، بما يضمن انتقالهم من موقع الملاحظ إلى موقع الشريك الفعلي في اتخاذ القرار.
كما شدد على أهمية التكوين والتأهيل السياسي والقانوني للشباب، معتبراً أن التمكين لا يمكن أن يتحقق دون بناء قدرات حقيقية في مجالات الترافع، وصياغة المبادرات، وفهم آليات العمل المؤسساتي، مؤكداً أن الاستثمار في التكوين يمثل مدخلاً مركزياً لإنتاج نخب شبابية قادرة على ممارسة أدوار قيادية داخل المجتمع.
وختم الأستاذ المؤطر مداخلته بالتأكيد على أن التمكين السياسي للشباب يتطلب مقاربة شمولية ومندمجة، تجمع بين الإصلاح القانوني، والتأهيل المؤسساتي، والتحول الثقافي، داعياً إلى جعل الشباب في صلب السياسات العمومية، باعتبارهم قوة اقتراحية وتغييرية قادرة على تجديد الحياة السياسية وتعزيز المسار الديمقراطي.
وفي ختام أشغال الدورة، ألقى الدكتور المصطفى الغشام الشعيبي، رئيس المركز، كلمة ختامية عبر فيها عن اعتزازه بنجاح هذه المحطة التكوينية، من حيث جودة التأطير ومستوى النقاش العلمي الذي ميزها، موجهاً شكره الخاص للأستاذ المؤطر الدكتور عبد الرفيع زعنون على مداخلته القيمة التي أغنت النقاش وعمقت الفهم الأكاديمي لموضوع التمكين السياسي للشباب.
كما تقدم رئيس المركز بجزيل الشكر والتقدير إلى الصندوق الوطني للديمقراطية (NED) على دعمه المتواصل لمشاريع المركز في مجال تعزيز حقوق الإنسان وسيادة القانون، مؤكداً أن هذا الدعم يشكل ركيزة أساسية لإنجاح البرامج التكوينية والعلمية. وخص أيضاً جماعة طنجة بالشكر على تعاونها المثمر وانخراطها الإيجابي في إنجاح هذا النشاط، وعلى توفيرها الظروف الملائمة لتنظيم هذه الدورة.
وقد اختتمت أشغال هذه الدورة في أجواء علمية وتفاعلية متميزة، عكست الاهتمام المتزايد بقضايا المشاركة السياسية للشباب، وأهمية مواصلة العمل على تعزيز حضورهم داخل الحياة العامة، بما يرسخ قيم المواطنة الفاعلة والديمقراطية التشاركية.




















